أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

572

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 69 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 69 ) قوله تعالى : وَالصَّابِئُونَ : الجمهور على قراءته بالواو وكذلك هو في مصاحف الأمصار . وفي رفعه أوجه : أحدها : - وهو قول جمهور أهل البصرة : الخليل وسيبويه « 1 » وأتباعهما - أنه مرفوع بالابتداء وخبره محذوف لدلالة خبر الأول عليه ، والنية به التأخير ، والتقدير : إنّ الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بهم إلى آخره والصابئون كذلك ، ونحوه : « إن زيدا وعمرو قائم » أي : إنّ زيدا قائم وعمرو قائم ، فإذا فعلنا ذلك فهل الحذف من الأول أي : يكون خبر الثاني مثبتا ، والتقدير : إنّ زيدا قائم وعمرو قائم ، فحذف « قائم » الأول أو بالعكس ؟ قولان مشهوران وقد ورد كلّ منهما : قال : 1777 - نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرّأي مختلف « 2 » أي : نحن راضون ، وعكسه قوله : 1778 - . . . * فإنّي وقيّار بها لغريب « 3 » التقدير : وقيار بها كذلك ، فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون الحذف من الأول أيضا ؟ فالجواب أنه يلزم من ذلك دخول اللام في خبر المبتدأ غير المنسوخ ب « إِنَّ » وهو قليل لا يقع إلا في ضرورة شعر ، فالآية يجوز فيها هذان التقديران على هذا التخريج . قال الزمخشري : « وَالصَّابِئُونَ : رفع على الابتداء ، وخبره محذوف ، والنية به التأخير عمّا في حيّز « إِنَّ » من اسمها وخبرها ، كأنه قيل : إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذلك والصابئون كذلك ، وأنشد سيبويه شاهدا على ذلك : 1779 - وإلّا فاعلموا أنّا وأنتم * بغاة ما بقينا في شقاق « 4 » أي : فاعلموا أنّا بغاة وأنتم كذلك » ثم قال بعد كلام : « فإن قلت : فقوله « وَالصَّابِئُونَ » معطوف لا بد له من معطوف عليه فما هو ؟ قلت : هو مع خبره المحذوف جملة معطوفة على جملة قوله : « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا » إلى آخره ، ولا محلّ لها كما لا محلّ للتي عطفت عليها . فإن قلت : فالتقديم والتأخير لا يكون إلا لفائدة فما هي ؟ قلت : فائدته التنبيه على أن الصابئين يتاب عليهم إن صحّ منهم الإيمان والعمل الصالح فما الظنّ بغيرهم ؟ وذلك أنّ الصابئين أبين هؤلاء المعدودين ضلالا وأشدّهم عتيا ، وما سمّوا صابئين إلا أنهم صبؤوا عن الأديان كلها أي : خرجوا ، كما أن الشاعر قدّم قوله : « وأنتم » تنبيها على أن المخاطبين أوغل في الوصف بالبغي من قومه ، حيث عاجل به قبل الخبر الذي هو « بغاة » ؛ لئلا يدخل قومه في البغي قبلهم مع كونهم أوغل فيه منهم وأثبت قدما . فإن قلت : فلو قيل : « والصابئين وإياكم » لكان التقديم حاصلا . قلت : لو قيل هكذا لم يكن من التقديم في شيء لأنه لا إزالة فيه عن

--> ( 1 ) انظر الكتاب ( 1 / 290 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) تقدم .